أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

202

العقد الفريد

لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة * إذا تضايق أمر أن ترى فرجا أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا « 1 » وقال خالد بن صفوان : فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها ، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف منها . وقالوا : صاحب الحاجة مبهوت ، وطلب الحوائج كلّها تعزير « 2 » . وقالت : الحكماء : لا تطلب حاجتك من كذّاب ؛ فإنه يقرّ بها بالقول ويبعدها بالفعل ؛ ولا من أحمق ، يريد نفعك فيضرّك ؛ ولا من رجل له أكلة من جهة رجل ، فإنه لا يؤثر حاجتك على أكلته . وقال دعبل بن علي الخزاعي : جئتك مسترفدا بلا سبب * إليك إلّا بحرمة الأدب « 3 » فاقض ذمامي فإنني رجل * غير ملحّ عليك في الطّلب وقال شبيب بن شيبة : إني لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلا وجب النّجح بينهما . قيل له : وما ذاك ؟ قال : العقل ؛ فإن العاقل لا يسأل ما لا يمكن ، ولا يردّ عما يمكن . وقال الشاعر : أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد * إليك سوى أنّي بجودك واثق فإن تولني عرفا أكن لك شاكرا * وإن قلت لي عذرا أقل أنت صادق « 4 » وقال الحسن بن هانئ : فإن تولني منك الجميل فأهله * وإلا فإنّي عاذر وشكور

--> ( 1 ) أخلق : أي جدير وحريّ ويلج : يدخل ( 2 ) التعزير : التشديد . ( 3 ) مسترفدا : طالبا العطاء . ( 4 ) أولاه العرف : أي وصله بكرمه .